متابعة لقضايا الأحوال الشخصية والحريات الدينية

لا يمكن أن أصف سعادتي في الحراك الذي تشهده سوريا في الاعتراض على مسودة مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد والذي كنت قد تكلمت عنه في مقالة (فضيحة بجلاجل… اسمها قانون الأحوال الشخصية)، فبغض النظر عن الكم الهائل من المقالات التي ظهرت على مواقع الإنترنت السورية معترضة على هذا القانون – الفضيحة، فقد نشأ على الفايس بوك مجموعتان معترضتان عليه وصل عدد المنتسبين إلى إحداها إلى 2500 شاب وفتاة. صحيح أن العدد ما يزال يعتبر منخفضاً بعض الشيء مقارنة بالمجموعة اللبنانية التي تطالب بقدوم الفنان جاد المالح والتي تجاوز عدد أعضاؤها الـ 8500، إلا أنني أعزي نفسي بالحجب الذي يطال الفايس بوك في سوريا. وبأننا من ناحية أخرى ما نزال غير معتادين على الاعتراض، وبأنه يلزمنا بعض الوقت لنخرج من حالة التدجين المزمنة التي يعيشها الشباب السوري.

المهم أن ما أريد التحدث عنه هو مادة مثيرة للجدل وأعتقد أنها ستكون مفتاحاً لكثير من الفتن الطائفية فيما لو طبقت كما هي، وهي المادة المتعلقة بالزواج المختلط بين مسلم ومسيحية والتي تمنع الأم المسيحية من تربية أطفالها بعد بلوغهم الرابعة من العمر إذا خشي عليهم التعلق بدين غير دين الإسلام. حقيقة يوجد ما يشابه هذه الفقرة في القانون الحالي والذي ينص على أن الولدين يتبعان أشرف الأبوين ديناً.

عفواً، ولكن هل هناك دين أشرف ودين أقل شرفاً؟ من يحدد هذا؟ ولم لا ندع مسؤولية تحديد الشرف الديني إلى الله عز جلاله؟

لأعطي مثالاً عن الفتن الطائفية التي يمكن أن تجر إليها مثل هذه المواد القانونية التي تدل على جهل وضعف بصيرة، سألجأ إلى مثال واقعي من مصر حيث أقيم، وتحديداً قصة الطفلين ماريو وأندرو.

ولد هذان الطفلان وعاشا في أسرة مسيحية (الأب والأم مسيحيان) وعلى هذا الأساس كانا يواظبان الذهاب إلى الكنيسة ويتلقيان التعليم المسيحي في المدرسة. وفجأة أشهر الأب إسلامه (غالباً بغرض الحصول على الطلاق الذي لا تمنحه إياه الكنيسة الأورثوذوكسية). فما كان من المحكمة إلا أن نزعت حضانة الطفلين من الأم وطالبتها بتسليم الأطفال إلى الأب كما فرضت على الأولاد أن يصيروا مسلمين. وأصبحوا فجأة في سن العاشرة والثانية عشر مطالبين ومن دون مقدمات بالذهاب إلى الجامع بدلاً من الكتيسة وحضور حصص التعليم الإسلامي في المدرسة والامتحان فيه بدلاً من التعليم المسيحي. هل يمكن لأحد أن يفسر لهما ما سبب الانقلاب في حياتهما؟ ولم يجب أن ينتزعا من محيطهما الكنسي وأصدقائهما فجأة بسبب نزوة ما للأب؟

طبعاً لم ترضخ الأم لهذا القرار واعتبرته اعتداء على ولديها وكذا فعلت الكنيسة القبطية التي دافعت باستماتة عن الأطفال. ولكن هيهات أن تستجيب المحكمة واضطرت الأم إلى إخفاء ولديها حتى لا يأتي من ينتزعهما منها.

مؤخراً، ومنذ أسبوعين، حصل تطور مهم في القضية بعد سنتين من التقاضي، حيث أصدرت محكمة القضاء الإداري حكماً سمحت بموجبه للأم بالاحتفاظ بحضانة ولديها على أن يبقيا على دين الأب حتى بلوغهما الخامسة عشرة حينها يكون لهما حرية اختيار الدين الذين يرغبان باتباعه. الأم والكنيسة اعتبرا الحكم ناقص وأنه كان ينبغي أن يترك الأولاد على الدين الذي ربيا عليه لا العكس وأن يخيرا فيما بعد بين البقاء عليه أو تغييره.

ما أريد قوله هو أننا نريد قوانين عادلة لا تميز بين المواطنين تبعاً للدين وأي كلام عن أشرف الدينين ما هو إلا تمييز واضح وصريح، وتصنيف فاضح للمواطنين إلى مراتب أشرف وأقل شرفاً وهذا ما يخالف الدستور الذي نص على التساوي بين المواطنين ويوفر الحرية الدينية للجميع. إنه مفتاح للدخول في تعقيدات طائفية مجتمعاتنا في غنى عنها.

كنا نتوقع من قانون جديد للأحوال الشخصية أن يقدم حلاً للزيجات المختلطة وخاصة بين الشاب المسيحي والفتاة المسلمة والتي يمنعها القانون الحالي فيلجأ أصحابها إما للتحايل على القانون من خلال عدم تسجيل الزواج وتسجيل الأبناء على خانة الأب فقط (كما أشار أحد التقارير على موقع سيريا نيوز من فترة) أو اللجوء إلى الزواج المدني في قبرص مثلاً وعدم تسجيل الزواج في سوريا مما يخلق أوضاع قانونية شائكة للأولاد. ففوجئنا بقانون يعتبر كل زواج لمسلمة من غير مسلم هو زواج باطل.

لا يمكنني كمواطن مسيحي إلا أن أعترف وبصريح اللسان بمدى الحرية الدينية التي أعيشها في بلدي سوريا والأمان الذي أشعر به والعلاقات الطيبة التي نتمتع بها مع شركائنا في الوطن من كل الطوائف. ولكن من ناحية أخرى لا يمكنني ألا أعترف أيضاً بوجود العديد من المواد القانونية التي تترك لدى كل مسيحي غصة وتجعله يشعر بقدر من الإهانة. من هنا لا أطالب فقط برفض مسودة المشروع الجديد وإنما بإقرار قوانين تجعل المواطنين جميعهم سواسية في كل موادها.

6 تعليقات

  1. لا أعلم لماذا نلف وندور على أنفسنا. الحل بسيط للغاية : السماح بتغيير الدين!

  2. اخي قانون الاحوال دائما يدخل به الاديان والاعراف لانه يمس الانسان بشكل مباشر في حياته اليومية
    وانا اقول لك كمواطن مسلم لا استطيع ان ازوج مسلمة من مسيحي هذا شريعة الاسلام ولا استطيع ان اغير به شيء ولست انا ولا احد وضعها انما نزلت من عند الله ……..

  3. صديقي اللجي

    تحية طيبة وبعد.

    أنت تقول أن هذا الكلام أنزل من عند الله وهذا رأيك، ولكني أؤمن أن الله هو المسؤول عن محاسبة من لا يتبع الشريعة. لأن الله وضع حرية الاختيار في دواخلنا ولنا الحق ان نختار..

    والسؤال الأصح، من المسلمة ومن المسلم؟ أي شخص ولد من عائلة مسلمة فيرث الدين على الهوية فيخض للشريعة؟! أم أنه قناعة وإيمان قلبي. فالمسلمة الحقيقية لن ترضى أن تتزوج بمسيحي ولا تريد قوانين لذلك، أما المسلمة (على الهوية) فلما لا تتزوج مسيحي، فالأمر سيان بالنسبة لها ، والله هو الديان والقاضي الذي يحاسب الجميع.

    أيهما أخير لها، مسيحي ملتزم محافظ أم مسلم بالهوية وليس فيه مخافة الله؟؟ أم ان الأمر طائفي وفيه خسارة فريق على حساب فريق آخر؟!!!! أعتقد اننا نضجنا عن هذه الفكرة.

    ورجاء إن أردنا الحوار فلنتحاور باللتي هي أحسن.

    وشكرا للجي وفادي على هذا الموضوع المهم

  4. Mon tres chere Fadi, je te felicite infiniment pour ton perso, en ce qui concerne le projet de la nouvelle loi, grace a Dieu a etait bloque,pur le moment, vue la reaction multipartite de la societe syrienne, c’est encourageant n’est ce pas ? donnes moi un signe de tes nouvelles, bonne journee elias

  5. سالت شيخ عن زواج المسلمة من مسيحي وقلي سبب انو ما بيعترفو فيه هو انو المسيحين ما بامنو انو محمد رسول وخاتم الانبياء وليهك حرم زواج المسلمة من مسيحي بينما العكس كقبول لأن الرسول تزوج من ماريا القبطية وأبقاها على دينها من دون أن يجبرهاعلى الأسلام وأسأل نفسي لمذا إذا على المسيحي أن يعد كافرا أذا في نظر المسلمين

  6. شكراً للكتابة المحترمة
    ورأي أن يطبق قنون أحوال مدني يتساوى فيه كل المواطنين ودون تمييز عنصري أو طائفي
    ونكون دولة علمانية

اترك رد